رفيق العجم
392
موسوعة مصطلحات الإمام الغزالي
صدق الرسول - أما وجود الصانع وصدق الرسول فطريق معرفته النظر في الخلق حتى يستدلّ به على الخالق ، وفي المعجزة حتى يستدلّ بها على صدق الرسول . وهذان لا حاجة فيهما إلى معلّم معصوم ، فإن الناس فيه قسمان : قسم اعتقدوا ذلك تقليدا وسماعا من أبويهم ، وصمّموا عليه العقد قاطعين به وناطقين بقولهم : لا إله إلّا اللّه ، محمد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، من غير بحث عن الطرق البرهانية ، وهؤلاء هم المسلمون حقّا . وذلك الاعتقاد يكفيهم ، وليس عليهم طلب طرق البراهين . وعرفنا ذلك قطعا من صاحب الشرع ، فإنه كان يقصده أجلاف العرب وأغمار أهل السواد ، وبالجملة طائفة لو قطعوا آرابا لم يدركوا شيئا من البراهين العقلية ، بل لا يبيّن تمييزهم عن البهائم إلّا بالنطق . وكان يعرض عليهم كلمة الشهادتين ، ثم يحكم لهم بالإيمان ويقنع منهم به ، وأمرهم بالعبادات . فعلم قطعا أن الاعتقاد المصمّم كاف وإن لم يكن عن برهان ، بل كان عن تقليد . وربما كان يتقدّم إليه الأعرابي فيحلفه أنه رسول اللّه وأنه صادق فيما يقول ، فيحلف له ويصدقه ، فيحكم بإسلامه . فهؤلاء ، أعني المقلّدين ، يستغنون عن الإمام المعصوم . القسم الثاني من اضطرب عليه تقليده إما بتفكّر وإما بتشكيك غيره إيّاه أو بتأمّله بأن الخطأ جائز على آرائه . فهذا لا ينجّيه إلّا البرهان القاطع الدالّ على وجود الصانع ، وهو النظر في الصنع ، وعلى صدق الرسول وهو النظر في المعجزة . وليت شعري ماذا يغني عنهم إمامهم المعصوم ! أيقول له : اعتقد أن للعالم صانعا وأن محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم صادق تقليدا لي من غير دليل فإني الإمام المعصوم ؛ أو يذكر له الدليل فينبّهه على وجه دلالته ؟ فإن كان سومه التقليد فمن أي وجه يصدقه ، بل من أين يعرف عصمته وهو ليس يعرف عصمة صاحبه الذي يزعم أنه خليفته بعد درجات كبيرة ؟ ! وإن ذكر الدليل افتقر المسترشد إلى أن ينظر في الدليل ويتأمّل في ترتيبه ووجه دلالته ، أم لا . فإن لم يتأمّل فكيف يدرك دون النظر والتأمّل ، وهذه العلوم ليست ضرورية ؟ وإن تأمّل وأدرك نتاج المقدّمات الضرورية المنتجة المطلوبة بتأمّله وخرج به عن حدّ التقليد له فما الفرق بين أن يكون المنبّه له على وجه الدلالة ونظم المقدّمات هو هذا المشار إليه المعصوم ، أو داعية أو عالم آخر من علماء الزمان . فإن كل واحد ليس يدعوه إلى تقليده ، وإنما يقوده إلى مقتضى الدليل ، ولا يدرك مقتضى الدليل إلّا بالتأمّل . فإذا تأمّل وأدرك لم يكن مقلّدا لمعلّمه ، بل كان كمتعلّم للأدلّة الحسابية . ( مظ ، 92 ، 15 ) صدق العزم - صدق العزم ؛ فإن الإنسان قد يقدّم العزم على العمل فيقول في نفسه . إن رزقني اللّه مالا تصدّقت بجميعه ، أو بشطره ، أو إن